هل الزواج عبر الإنترنت ينجح؟
سؤال يُطرح كثيراً ويُجاب عنه بالأرقام غالباً. نجيب عنه هنا بالآليات: ما الذي يجعل تعارفاً ينجح أو يفشل، أيّاً كانت وسيلته.
كثير ممّا يُكتب في هذا الباب يستشهد بنِسَب مئوية بلا مصدر. لن نفعل ذلك. لا نملك دراسة نستند إليها، ومنصّتنا جديدة ولا سجلّ لها بعد.
ما نستطيع الكلام فيه هو الآليات: ما الذي يجعل التعارف يفضي إلى زواج مستقرّ، وما الذي يفسده. وهذه الآليات لا تتغيّر كثيراً بتغيّر الوسيلة.
السؤال ليس عن الإنترنت
قارِن مسارين:
المسار الأول: ترشيح من قريبة، لقاء واحد بحضور الأهل، موافقة سريعة، عقد بعد شهرين. المعرفة بالشخص قليلة، والمعرفة بأسرته وسمعته كثيرة.
المسار الثاني: تعارف على منصّة، محادثة ثلاثة أشهر، مكالمات مرئية، ثم دخول الأهل. المعرفة بالشخص كثيرة، والمعرفة بمحيطه قليلة في البداية.
أيّهما أنجح؟ السؤال بهذه الصيغة خاطئ. كلّ مسار يمنح معرفةً وينقصه أخرى. المسار الناجح هو الذي يستكمل ما ينقصه، لا الذي يبدأ من مكان معيّن.
من تعرّف على الإنترنت واستكمل بالتحقّق والأهل واللقاء، صار في وضع أفضل من كليهما. ومن اكتفى بالمحادثة، بقي ناقصاً مهما طالت.
ما الذي يفسد التعارف الإلكتروني تحديداً
ثلاثة أشياء، وكلّها قابلة للتفادي:
الأول: الصورة المتخيّلة. المحادثة الطويلة تصنع في ذهنك شخصاً غير الموجود. أنت تملأ الفراغات بما تتمنّاه، والطرف الآخر يفعل الشيء نفسه. كلّما طالت المحادثة بلا لقاء، اتّسعت الهوّة بين المُتخيَّل والحقيقي. علاج هذا مكالمة مرئية مبكّرة، ولقاء لا يتأخّر.
الثاني: تأجيل الأهل. حين يدخل الأهل متأخّرين، يدخلون على معادلة محسومة، فيصير دورهم إمّا مباركة شكلية وإمّا معارضة متأخّرة. وكلاهما سيّئ.
الثالث: كثرة الخيارات. المنصّة تعرض عليك مئات الملفات، فيصير كل شخص مؤقّتاً في ذهنك، لأنّ التالي على بُعد نقرة. هذا يمنع الاستقرار على أحد. علاجه أن تحصر بحثك مبكّراً، وأن تعطي الشخص الجادّ فرصةً حقيقية بدل الاستمرار في التصفّح.
هذه المشكلة بالذات هي سبب اختيارنا لعدد محدود من الملفات المختارة يومياً في ميزان بدل تصفّح لا ينتهي. أحد عشر ملفاً تُقرأ بتمهّل خير من ألف تُمرَّر بالإبهام.
ما الذي يجعل الزواج يستقرّ
ما يستقرّ عليه الزواج ليس ما جمع الطرفين أصلاً. هو:
- توافق في التوقّعات: أين تسكنان، وعمل الزوجة، والأبناء، وعلاقة كلّ بأهله، والمال. الخلاف في هذه لا يظهر في المحادثة اللطيفة، بل بعد العقد.
- توافق في الالتزام الديني الفعلي لا المعلن.
- موافقة الأسرتين الحقيقية لا المجاملة.
- طريقة الاختلاف. كيف يتصرّف كلّ منكما حين ينزعج. هذا لا يظهر إلّا بالوقت وبأول خلاف صغير.
لاحظ أنّ أياً من هذه لا علاقة له بمكان التعارف. ولهذا فالسؤال «هل الإنترنت ينجح؟» يشغلك عن الأسئلة التي تنفع.
جواب مختصر
الزواج الذي بدأ على الإنترنت ينجح بقدر ما يخرج من الإنترنت بسرعة: مكالمة، فأهل، فلقاء، فتحقّق. ويفشل بقدر ما يبقى فيه: محادثة تطول، وتخيّل يكبر، وأهل يُخبَرون في آخر لحظة.
الوسيلة أداة تعارف. أمّا الزواج فيُبنى في مكان آخر تماماً.